محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
809
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقوله : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ أي اندفعتم في السير منها بكثرة ، ومنه إفاضة الماء ؛ لأنّه ينصب ويتفرّق ، والجمع الكثير إذا اندفعوا بمرّة أشبه ذلك اندفاع السيل وإفاضته ؛ وكان إبراهيم - صلوات اللّه عليه - يندفع من عرفات بعد غروب الشمس ، ويندفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، وقد غيرّت العرب هذه السنة ؛ فردّهم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - إلى سنة جدّه الخليل - صلوات اللّه عليه - فاندفع من عرفات بعد غروب الشمس ، واندفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، ونزل القرآن بذلك . قال مقاتل : الحمس كانوا يبيتون بالمشعر الحرام ولا يخرجون من الحرم خشية وخوفا على أنفسهم . وقوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهو المزدلفة ( 333 ب ) سمّي مشعرا لأنّه من معالم الحجّ ؛ وروى ابن عبّاس أنّه سئل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن المشعر الحرام قال : « هو ما بين جبلي المزدلفة » 88 ويسمّى أيضا جمعا ؛ لأنّه يجمع بها بين صلاة المغرب والعشاء الآخرة ؛ وروى ابن عمر أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان يبيت بالمزدلفة حتّى يصبح فيصلّي صلاة الصبح ، ثمّ يقف بالمشعر ويقف الناس معه يدعون اللّه ويذكرونه ويمجّدونه حتّى يندفع إلى منى ، وسمّاه الحرام لأنّه ممنوع أن يفعل فيه ما يحرم على المحرم . وأمّا عرفات قال أبو إسحاق الزجّاج « 1 » : الوجه فيه الكسر والتنوين ، ويستوي فيه الجرّ والنصب ، وليس حكمه حكم تاء التأنيث . قال « 2 » : ويجوز منعه الصرف ، إذ كان اسما لشيء واحد إلّا أنّه لا يكون إلّا مكسورا من غير تنوين . وروى أسباط عن السدّي أنّ الموضع إنّما سمّي عرفات ، واليوم عرفة لأنّ إبراهيم - صلوات اللّه عليه - لما رآها وعرفها بنعتها الذي كان عنده قال : قد عرفت . وهو اسم للبقعة وإن كانت جمعا ، كما يقال : أرض سباسب وثوب أخلاق ، فتجمع بما حولها . وقال : إنّ إبراهيم - عليه السلام « 3 » - لمّا أذّن في الناس بالحجّ وأجابوه بالتلبية أمره اللّه أن يخرج إلى عرفات ونعتها له ؛ فلمّا بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان يردّه ؛ فرماه
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو . ( 2 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 3 ) . في الهامش عنوان : المعني .